عبد الملك الجويني

56

الشامل في أصول الدين

فإن أنكر الخصم درك التفرق قطع الكلام عنه ، وإن اعترف بها بنينا عليها غرضنا وقلنا : يستحيل الفرق بين الشيء ونفسه إذ الشيء لا يخالف نفسه ، فدل أن المخالفة المعلومة ضرورة ، رجعت إلى موجود زائد على ذات الجوهر . والذي يوضح ذلك أن من أصل الخصم أن الجوهر في زواله على حاله في سكونه ، فلو رجعت التفرقة إلى نفسه لأدركت التفرقة في دوام سكونه ، ولساغ مخالفة الشيء نفسه ، فلما اختصت هذه المخالفة بجملة مخصوصة ، دل ذلك على زائد على ذات الجوهر . هذا من أقوم الأدلة في إثبات الأعراض . ووجه التقصي في هذا السؤال : أنا إذا قدرنا أن نفس اختلاف الأحكام يرجع إلى تزايد الذوات ، فلا ينفع الخصم من ذلك قوله إن الأحكام تثبت لا لعلل ، فإن عين ما أثبته هو الغرض الذي نطلبه ، فلا ينفعه بعد ذلك قطع الموجب والمقتضى بعد الاعتراف بإثبات ما فيه النزاع . وقد سلك بعض المتكلمين في الجواب طريقة أخرى فقال : هذا التعليل بالنفس والمعنى لا اختصاص له بوقت دون وقت ، وجوهر دون جوهر . فلو كان تحرك الجوهر لا لنفسه ولا لمعنى ، لما كان لا للنفس ولا للمعنى أولى بحال منه بأخرى . وهذا فيه نظر عندي ، فإن الخصم نفي التعليل ، ولم يقصد أن يجعل نفي العلة علة ، فلزمه أن يختص ذلك بحال أو ذات ؛ والأولى الاكتفاء بما قدمناه . فإن قال قائل : بم تنكرون على من يزعم أن الجوهر [ لو كان ] ، يختص بجهة لعلم عالم اختصاصه بها ؟ قلنا : هذا باطل من أوجه : أحدها : أن العلم لا يؤثر في المعلوم ولا يقتضي له وصفا ، بل يتعلق به على ما هو عليه من صفته ، ولذلك تعلق العلم بما يصح أن يكون أثرا ، وبما لا يصح أن يكون أثرا كالأوصاف الواجبة التي لا مفتتح لها ولا يجوز تقدير زوالها . والقدرة لما كانت مؤثرة اختص تعلقها بالحوادث . والذي يوضح ما قلناه : إن الواحد لو علم اختصاص جوهر بجهة ، فيجوز تقدير استمرار الاختصاص للجوهر مع زوال العلم . على أن الخصم أراد بالعلم الذي ذكره علوم الأجسام ، فما من علم إلا ويجوز تقدير انتفائه مع بقاء معلومه . وإن أثبت الخصم علما قديما لعالم قديم ، فقد أثبت الصانع . ثم نقول : قد بينا بدلالة قاطعة أن نفس اختلاف الأحكام يؤول إلى ذوات ، فثبتوا الذوات وهي التي نسميها الأعراض ، ثم علقوها بأي شيء شئتم .